يقع مسجد كيركلار على قمة منحدرات جبال البحر الأسود الشرقية الشاهقة، شامخًا فوق السحاب، ويُعتبر مركزًا روحيًا لدى السكان المحليين منذ قرون، فهو وجهة فريدة تجمع بين السياحة الدينية والسياحة الطبيعية. بُني المسجد على قمة صخرية محاطة بالمنحدرات من ثلاث جهات في جبال سوغانلي، على ارتفاع 3200 متر فوق سطح البحر، ويجذب الزوار بجماله المعماري وقيمته الروحية. يحتل المسجد مكانة متميزة بين معالم طرابزون السياحية ، وقد أصبح وجهةً مفضلةً لمتسلقي الجبال وعشاق الطبيعة، لا سيما في السنوات الأخيرة.

يُعدّ مسجد كيركلار، رغم عدم معرفة تاريخ بنائه الدقيق، مكانًا للعبادة قائمًا منذ قرون، وقد خضع للترميم في فترات مختلفة. وترتبط قصة هذا الصرح ارتباطًا وثيقًا بمفهوم "الأربعين" في الثقافة التركية، والتقاليد الإسلامية، وملحمة ديدي كوركوت. ويُعرف المسجد بين السكان المحليين بأنه ملتقى الأولياء، وقد كان وجهةً ليس فقط لمن يسعون إلى تعزيز روحانيتهم، بل أيضًا لمن يطلبون الشفاء من مختلف الأمراض. وتقول الأساطير إنّ من يعانون من اضطرابات نفسية، والأطفال الذين يعانون من صعوبات في النطق، ومن يعانون من مشاكل صحية مختلفة، يجدون الشفاء في المبيت فيه.

أين يقع مسجد كيركلار وفي أي منطقة؟

يقع مسجد كيركلار في هضبة شكرسو التابعة لبلدة تشايكارا في محافظة طرابزون، على حدود محافظة بايبورت. يقع المسجد جغرافياً على سلسلة جبال سوغانلي، على ارتفاع 3200 متر فوق سطح البحر. وتُعرف هذه النقطة أيضاً باسم تلة كيركلار، أو تلة زيارة، أو كاراكايا لدى السكان المحليين، وهي من أعلى القمم في المنطقة. ويتيح موقع المسجد فرصة مشاهدة جبال طرابزون وبايبورت وريزة في آن واحد.

تقع هضبة شكرسو، المعروفة سابقًا باسم ساكارسو، على بُعد حوالي 37 كيلومترًا من مركز مقاطعة تشايكارا. وبجوار قريتي كاراجام وييلاونو، تجمع هذه الهضبة بين خصائص القرية والهضبة. ونظرًا لظروفها المناخية، تُغلق المنطقة أمام السكان خلال فصل الشتاء، بينما يُمكن الوصول إليها خلال فصل الصيف. تُعدّ هضبة شكرسو، بغاباتها الخضراء الوارفة ومروجها المزهرة وجداولها الصافية، وجهة مثالية لمن يرغبون في تجربة الحياة والطبيعة معًا في طرابزون.

يتمتع موقع المسجد بأهمية استراتيجية بالغة، إذ زاد موقعه على طرق المواصلات التاريخية بين بايبورت وطرابزون من أهمية المنطقة. وتُفسر الروايات الواردة في قصص ديدي كوركوت، المتعلقة بحاكم طرابزون، وكون هذا الطريق أحد طرق التجارة التاريخية، أصل تسمية جبل كيركلار. وعلى مر التاريخ، من عهد الحكم العثماني في أكويونلو إلى عهد مملكة طرابزون اليونانية، مثّلت هذه المنطقة نقطة عبور هامة.

ما هي قصة مسجد كيركلار والمعتقدات المحيطة به بين الناس؟

يُعدّ مسجد كيركلار في طرابزون من أبرز معالم المنطقة. ووفقًا للاعتقاد السائد، تُعتبر هذه المنطقة مكانًا مقدسًا عاش فيه أربعون وليًا وتعبدوا. ويحتل مفهوم "كيركلار" (الأربعون) مكانة خاصة في الثقافة التركية والإسلامية، ويُستخدم غالبًا للإشارة إلى الأشخاص ذوي المكانة الروحية العالية. ولذلك، لا يُنظر إلى المنطقة التي يقع فيها المسجد كمجرد بناء مادي، بل كمركز ديني أيضًا.

تقول الأسطورة إن أربعين شخصًا اجتمعوا في هذه المنطقة للعبادة وقضاء حياتهم فيها. ويُعتقد أن هؤلاء الأشخاص اختفوا في نهاية المطاف، ولم يبقَ سوى هذا الموقع المقدس. وتؤثر هذه الرواية بشكل مباشر على الغاية من زيارة المنطقة، حيث يأتي الزوار عادةً للصلاة، أو التمني، أو لخوض تجربة روحية.

ومن المعتقدات الأخرى المرتبطة بالمنطقة أن النساء، وخاصة من لا ينجبن، يأتين إلى هنا للصلاة. وقد أدى هذا التقليد العريق إلى اعتبار مسجد كيركلار ليس فقط معلمًا سياحيًا، بل أيضًا مكانًا للحج. ومن هذا المنطلق، يحتل مسجد كيركلار مكانة هامة في الحياة الثقافية لمدينة طرابزون.

كيفية الوصول إلى مسجد الأربعين؟

بالنظر إلى خيارات النقل في طرابزون، يتطلب الوصول إلى مسجد كيركلار مسارًا وعرًا نوعًا ما. يمكن الوصول إلى المسجد بالسيارة أو سيرًا على الأقدام عبر ممرات المشاة. مع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الطريق لا يناسب إلا سيارات الدفع الرباعي. ورغم أن أعمال تحسين الطرق التي نفذتها بلدية طرابزون الكبرى قد سهّلت الوصول جزئيًا، إلا أنه لا يزال الطريق غير آمن للسيارات العادية. لذا، يُنصح الزوار باستخدام سيارة دفع رباعي أو اختيار المشي.

النقل عبر هضبة تشايكارا وشكرسو

الطريق الأكثر شيوعًا للوصول إلى مسجد كيركلار هو عبر منطقة تشايكارا، صعودًا إلى هضبة شكرسو. بعد الوصول إلى هضبة شكرسو، التي تبعد حوالي 37 كيلومترًا عن مركز تشايكارا، يستمر الطريق باتجاه جبل كيركلار. من آخر نقطة يمكن الوصول إليها بالسيارة، يتطلب الوصول إلى المسجد مسيرةً لمسافة 5 كيلومترات على طول مسار جبلي. على الرغم من صعوبة هذا المسار، إلا أنه يوفر تجربةً جذابةً لمتسلقي الجبال ذوي الخبرة ومحبي الطبيعة. تُنظم منظمات مثل نادي غوموشانه لتسلق الجبال والرياضات الطبيعية (GÜDAK) رحلات مشي منتظمة على طول هذا المسار.

كما يمكن الوصول إلى المسجد من جهة بايبورت، وهو الطريق المفضل للزوار القادمين من جهة أوزونغول. ورغم إمكانية الوصول عبر كلا الطريقين، إلا أن الوصول عبر تشايكارا هو الأكثر شيوعًا. يوفر هضبة شكرسو، التي تضم بيوتًا مبنية على الهضبة خلال فصل الصيف، تجربة فريدة للزوار وسط أحضان الطبيعة. إنها محطة مثالية لمن يرغبون في الاستيقاظ على تغريد الطيور صباحًا والاسترخاء تحت النجوم مساءً.

ظروف الطريق والارتفاع والظروف الموسمية.

تختلف حالة الطريق المؤدي إلى مسجد كيركلار اختلافًا كبيرًا تبعًا للظروف الموسمية. ففي الشتاء، قد يتجاوز عمق الثلج أربعة أمتار في بعض الأماكن. وتقوم فرق من قسم إنشاء وصيانة وإصلاح الطرق في بلدية طرابزون الكبرى بعمليات إزالة الثلوج استعدادًا لموسم الصيف. وفي مايو/أيار 2025، تمّ تنظيف جزء من الطريق بطول ثلاثة كيلومترات يؤدي إلى مسجد كيركلار، مما مكّن المواطنين القادمين إلى الهضبة من أداء صلاة الجمعة في المسجد.

يُعدّ الارتفاع الشاهق عاملاً هاماً يجب على الزوار مراعاته. فعلى ارتفاع 3200 متر، تنخفض مستويات الأكسجين بشكل ملحوظ مقارنةً بمستوى سطح البحر. وقد يُعاني الأشخاص غير المعتادين على الارتفاعات الشاهقة من ضيق في التنفس، أو صداع، أو إرهاق. لذا، يُنصح بالسير ببطء وأخذ فترات راحة. وبحسب تجارب سائقي الدراجات النارية الذين استكشفوا المنطقة، قد تنخفض قوة المحرك في الارتفاعات الشاهقة، ويُلاحظ ذلك بشكل خاص في المركبات ذات المكربن.

أفضل وقت لزيارة المسجد هو خلال أشهر الصيف، من منتصف يونيو إلى نهاية سبتمبر. خلال هذه الفترة، يكون الثلج قد ذاب في معظمه، مما يسهل الوصول إلى الطرق. مع ذلك، كن مستعدًا لتغيرات جوية مفاجئة. قد يحدث ضباب مفاجئ وانخفاض في درجات الحرارة في المناطق الجبلية. يُنصح الزوار بإحضار ملابس دافئة متعددة الطبقات، وأحذية مقاومة للماء، وكمية كافية من الماء والمؤن.

ما الذي يجب أن تعرفه قبل زيارة مسجد الأربعين؟

ينبغي على الراغبين بزيارة مسجد كيركلار في طرابزون الاستعداد بدنياً قبل الزيارة. فالمسار الذي يبلغ طوله 5 كيلومترات والارتفاع الشاهق يتطلبان مستوى معيناً من اللياقة البدنية. يُنصح الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في القلب والأوعية الدموية باستشارة الطبيب قبل هذه الزيارة. كما أن شرب كميات وافرة من الماء وأخذ فترات راحة منتظمة أثناء المشي يساعد على تخفيف أعراض داء المرتفعات.

يضم المسجد مطبخًا وأماكن إقامة لمن يرغبون في قضاء الليل في الصلاة والمبيت. وقد جرت العادة أن يترك الزوار بعضًا من حاجياتهم الأساسية، كالأسرّة والبطانيات والطعام الجاف والحطب والفحم، وحتى أعواد القطن. وبفضل هذه الروح التضامنية، يستطيع الزوار تلبية احتياجاتهم الأساسية. مع ذلك، يُرجى مراعاة النظافة والوعي البيئي.

يتميز تصميم المسجد بالبساطة. فقد تم إنشاء مساحة مستوية بنحت واجهة صخرية ضخمة على القمة، وشُيّد عليها ما يُعرف بـ"الخليفة". بُني جدار حديقة حول الواجهة الصخرية، ووُسّعت المساحة بملئها بقطع صخرية من المنطقة. ومع مرور الوقت، جُدّد المبنى بمواد خشبية، وأصبح الآن مندمجًا مع أحجار قمة التل. ولأنه مُحاط بالمنحدرات من ثلاث جهات، يُنصح بتوخي الحذر الشديد عند التقاط الصور أو التجول حوله.

تغطية شبكة الهاتف المحمول إما معدومة أو ضعيفة للغاية في المنطقة. قد يكون التواصل صعبًا في حالات الطوارئ، لذا من المهم إبلاغ أحبائك مسبقًا والتخطيط لمواعيد سفرك وفقًا لذلك. كما يُنصح بتحميل الخرائط غير المتصلة بالإنترنت من تطبيقات الملاحة. إشارات المرور وعلامات الطرق محدودة في المنطقة، لذا فإن الاستعانة بمرشدين محليين أو السفر مع شخص سبق له زيارة المنطقة يُعزز السلامة.

يُعدّ مسجد كيركلار أحد أبرز الوجهات السياحية في منطقة البحر الأسود، سواءً للسياحة الدينية أو الطبيعية. فمساره المليء بالتحديات، وموقعه المرتفع فوق السحاب، وأجواؤه الروحانية، تمنح الزوار تجربة لا تُنسى. وتُعتبر المنطقة وجهةً شهيرةً لمتسلقي الجبال من داخل البلاد وخارجها، ويُشير تزايد أعداد الزوار سنويًا إلى نمو السياحة الدينية. وبفضل موقعه الفريد الذي يُتيح للزوار فرصة مشاهدة جبال ثلاث محافظات في آنٍ واحد، يُمكنهم الصلاة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة.